طلال بو خضر | Talal bou kheder

أساطير الوقت والمرايا السائلة

يخدَعك الوريدُ، الحديدُ، وعلبة الدّواء تخدعك،
الكرسيّ، الحبلُ، الماء والهواء، السّائق، عربة القطار،
كلّها تمنعك،

وتخدعك الأغاني.

*

كلّ شيء هو ذرّات وفراغ، وكلّ ما عدا ذلك هو: وجهات نظر.

جاورَ الماءُ رملًا حرّكهُ هواء، هَجَم النّورُ، ثمّ صار عندنا “آراء”،

وجاورنا الحديد،
وعلى رأس الوليد الجديد صار لابدّ من إنشاء.

*

هنا، قربك تمامًا، حولك، شقوق تحاول ابتلاعك في الغرفة،
شقوق تحاول ابتلاعك في الشارع،
شقوق تحاول ابتلاعك أثناء نومك،
الشقوق حولك، تحاول ابتلاعك، أنت لا تستطيع رؤيتها.

*

الماضي والمُستقبَل معدومان، لا وجود لهما،
كل شيء يحدث الآن.

*

يخدعك الصّباحُ، غبار خيوط الشّمس، القلقُ المتاحُ،
السّعادةُ والإرادة، الآمال، فكرة العودة إلى البيت،
أمل الحزانى بالوليد، اللغة والتراكيب،
مركبُ الشّعر وحائط القصيد،
الثّمالة، ندماء الكأس ورفاق المائدة.

*

للماء ذاكرة من بصمات الغرقى،
يشدون قبضاتهم عليه مرارًا، يفتحونها مرة واحدة أخيرة: وتهرب العصافير.

*

الوجود كلّه يحدث في حاضرٍ بلا زمان،

وليكتمل وعي اليمّ، بات للرّطوبة آلهة لا تجفّ، أبطال خصوبة،
ولتكتمل فكرة الوقت، بتنا نخاف الظلّ واليباس.

*
الوجود هو أبدي: الزمان كلّه هو الآن.

*

لا يُصدّق الأطفال أنّهم كبروا في السنّ، أنّهم صاروا كهولًا.

*

الماء مزيج الوقت والمرايا السائلة،
ومثل المرايا: للماء ذاكرة من وجوه.

*

ابتسامات باعة الورود تخدعك،
الشّبع، روائح العطر، فزع الطّيور من الطّيور، الذكريات، حرّاس الحدود، الرّسائل واللغات،
والسّفن العائدة.
*

‏ثلوجٌ فوق جبالٍ بعيدة،
أنت لا تستطيع رؤيتها،
وحده البرد يأكل قلبك.

*

هم كلّهم يبكون من الداخل، أنت لن تستطيع رؤيتهم.

*

الماء فيك الذي فيك، يخدعك،
‏الماء الذي فيك، لا يسمعك.
*

الشقوق حولك، تحاول ابتلاعك، أنت لا تستطيع رؤيتها.

*

الشوارع الصّغيرة، ذاتها، صارت صحارى،
والمدن القديمة، التي لفظتك، أنت الغريب، من كنت غرييًا، من أصبحتَ غريبًا،
صارت مدن غرباء جدد.

*

عباد النور، عباد الشّموس والوجوه، الصوت، الضوضاء والتشويش،
عباد الريح والخوف من الآخرين،
عباد الآخرين.

*

هي الثّانية ذاتها، تتكرّر منذ الأبد،

أبدٌ أبد،

حددٌ حدد،

مددٌ مدد،

آلهةُ قدامى، وآلهةٌ جدد،

والزّهرة، ما زالت، تعبد الشّمس، وتعشق الرّيح.

*

شجرٌ يعبر الرّيح،
والرّيحُ، أمنية هروب؛ ما للريح _لغريبُ، وبين يديه ابتسامة،

يصرخ الغريبُ: يا حبّ خذنا،

خذنا إليك يا جسد الرّيح،

لولاك يا حب، لولاك،

ما لنا من مركبٍ،

لولاك يا حب،
لولاك،

ما لأشرعتنا من وتد.

**
..

هامش:

(كلّ شيء هو ذرّات وفراغ، وكلّ شيء ما عدا ذلك هو: وجهات نظر.)
‏ديمقريطوس، الفيلسوف الضّاحك، القائل بالمعرفة الحسيّة لا الميتافيزيقية.
*‏
(الوجود كلّه يحدث في حاضر بلا زمان.)، بارمنيدس.
*‏
(الوجود هو أبدي: الزمان كله هو الآن.)، ميليسوس._

……………………………………………………………
https://rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5273&fbclid=IwAR0CxhqN7zK_oUDFic8JqbOkeM7_bcPpDws1QJBlt40nLhM9QUHwhJDvQ9o