تصوير: روجر بالن

تسعة أربطعش

بعمر التسع سنوات عرفت كل شيء عن مسدّس الماكروف، فك تركيب تنظيف إطلاق إصابة خرطشة بيد واحدة خرطشة بالزنّار خرطشة بالحذاء، المدى المجدي المدى الأقصى القدرة على القتل. لعبت ببنادق الصّيد قليلًا بعد ذلك، كنت قادرًا على إصابة أي / تنكة / كرتونة / شجرة من الرّمية الأولى، وكان ذلك ممتعًا حقًّا.

مدى مجدي، مدى أقصى، قدرة على القتل.

ارتديت البذلة العسكريّة في عمر الثانية عشر، تعلّمت فك وتركيب واستعمال الكلاشينكوف / كلاشينكوفا / كلاشن، التشيكيّة أيضاً، ميّزتهما عن الحمويّة رديئة الصّنع، أعجبتني أصوات تبديل المخازن كثيرًا، التغيير بين آليّة الإطلاق رشًّا أو دراكًا، المدى المجدي المدى الأقصى القدرة على القتل.

شميزر، تسعة أربطعش، تشيكي، ستار، سنوبال، طاحون، ديزيرت إيغل، كلّها كانت مثار اهتمام أصدقائي في أحاديثنا أثناء “حصص الفراغ” من رسم و رياضة وموسيقا، “البنات” أيضًا ومدارسهن القريبة شغلتنا قليلًا حيث كنّا مدرسةً من الذكور، عضلات السواعد وأحجام القضيب وكذبات ممارسة الجنس للمرة الأولى بدأت أيضًا في حصص الفراغ لكن بالسّر، دخنّا الكثير من أنواع السجائر، وجرّبنا اللعب بـ”سكين السبع طقّات”.ساعدنا أساتذة العسكرية كما أساتذة القوميّة في بعض المعلومات التي لم نكن نعرفها.

المدى المجدي، المدى الأقصى، القدرة على القتل.

دوشكا، شيلكا، قنابل يدويّة، بي كي سي، قنّاصة، رشّاش حربي، ثلاثة وعشرون، دبّابة، زيل، جيب واز، الخ الخ. تسليّت بها كلّها أثناء تجنيدي الإجباري بعد ذلك بعدّة سنوات، كانت لعبة التسلية الوحيدة أن نصيب بعض السواتر الترابيّة، أو أن نقلب سيّارة الزيل مثلًا بحركة واحدة، الخ.

المدى المجدي، المدى الأقصى، القدرة على القتل.

تهرّبت في كلّ المرّات التي حاولوا فيها زجّي في أي تنظيم سياسي، لم أواظب على أي نادٍ رياضي، لم أدخل أي مكان ديني، لم أشجّع أي مطرب في أي مسابقة، لم أنل أي جائزة، لم أربح أي بطاقة يانصيب، لم أكمل أي مهنة، لم أكمل قراءة أي كتاب حتى آخره، لم أحلم بنيل أي شهادة، لم أحاول تعلّم أي لغة جديدة، لم أحلم بالسفر لأي مكان، لا أعرف إن كنت أحب السمر أو البيض.

لم أعرف يومًا إن كنت أحب القهوة مع أو بدون سكر.
كل ذلك كان كفيلاً بأن أكون وحيدًا قليلًا. وجاهزًا، تمامًا.

المدى المجدي.

يضعون طفلةً صغيرةً في المصعد، تقف صامتةً وهي ترتدي ثوبًا أبيضًا و تسدل شعرها الأسود مغطيّةً كامل تفاصيل وجهها، يدخل البعض المصعد، ثم يهربون. تلحقهم الكاميرا: مرحبًا، إنّها الكاميرا الخفيّة. يضعون وجه مهرّج في الظلام أيضًا.

غريبٌ كيف نتّفق أن نخاف من الأشياء البسيطة الصغيرة إذا وضعت في غير مكانها، غريبٌ أيضًا ما هو عكس ذلك، أن تخطر في ذهنك أبسط الأشياء في أعقد الأوقات.

المدى الأقصى.

موسيقا النّمر الوردي لا ترحل من الذاكرة، الوميض الأزرق، الشجعان الثلاثة، جزيرة الكنز، الرحالة الصغير، برنامج آفاق علميّة، كلّها تصدح في رأسي أثناء سماع القصف.ليست طفولة متأخرة، أنا فعلاً أحبّها، موسيقا عظيمة.أو ربّما هي كذلك، لا فرق بكل الأحوال، لا نصير كبارًا، يمرّ الوقت فقط و نحن ننتظر أن نصير كبارًا، أشعر دائمًا أن ما من عجائز، هم أطفال جعدون قليلًا.

جَعِدون، قصف، أكره اللغة العربية لأجل كل تلك القدرة على القسوة. أعود وأحبّها لأجل قدرتها على التعبير.

أسأل أصدقائي عن تعريف القسوة، تختلف الإجابات، أعود وأسألهم، تحبّون مشاهدة أوصال مقطّعة؟ طفل مشوي مثلًا، يتّفقون جميعًا فورًا و بصوتٍ واحد، طبعًا لا، ما بك طلال، “مجنون أنت يا زلمة”، ثم ينطق صديقٌ رسّام بقي صامتًا طوال الوقت: أجل أنا أحب، أريد أن أرسمها.يصمتون هم بعد سماع هذا.

ما القسوة إذًا؟ وجود الأوصال أو رسمها؟
الوجود، القدرة، الخيار، مذهلٌ هذا الخليط.

القدرة على القتل.

المدى المجدي المدى الأقصى القدرة على القتل.المدى المجدي المدى الأقصى القدرة على القتل. حتى الآن، ترفق هذه الجملة في تعريف “المواصفات التعبويّة” لأي سلاح في جميع أنحاء العالم. أحزن على أولئك الذين لم تتسن لهم فرصة أن يمتلكوا خياراً آخراً.و صارت، ذات الجملة، تصفهم.

ليس ما قلته هنا خاصًّا بي، معظم أبناء جيلي عاش ذات التفاصيل، ذكورًا و إناثًا، والكثيرون يعيشون تفاصيل أكثر الآن، يعرفون أكثر أيضًا عن اختبار السلاح، والموت. الحكومات السافلة ستفعل هذا دائمًا، دولٌ بأكملها قائمة على أوهام الأديان وسياسات التفريق العنصري والعرقي والطائفي لن تفرز إلا عصورًا من الحروب الباردة والمشتعلة سواء طالبت الشعوب بتحررها أم لا.

لم أطلق في حياتي صوب كائنٍ حي.
السلاح لا يقتل، نحن من يفعل هذا.
*
..
https://dahnon.org/archives/8569

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *