نبتة الشبّاك، الغوطة، ودانييل خارمس.

كتب لي صديق قبل سنوات أنّه لا يشعر بالاتّزان، هو يفكّر بسارتر وزهران علوش بنفس الوقت، ويشعر بالذنب لو سمع موسيقى جاز هادئة في يوم يعرف أنّ فيه مجزرة.
أنا كنت خائفًا فقط، وما زلت.

*

نبتت في حفّة الشبّاك نبتة، أوجدتها الرّطوبة أو ربّما حملتها الرّيح،
أو ربّما هي كانت بالأساس وما ماتت لمّا أتى الشّباك.

نبتت في حفّة الشبّاك نبتة، هكذا: لم يكن هناك من وجود لأيّ شيء ثمّ صار هناك وجود لشيء.

ما العدمُ؟ قبل الهواء والرّطوبة، ما هو اللاشيء؟

*

ذكرّني وجود هذه النبتة بقصّة دانييل خارمس عن وجود الرّجل الأصهب:

(كان هنالك شخص أصهب، بلا عينين ولا أذنين، ولم يكن له شعر أصلًا، لذا فإن تسميته بالأصهب هي مجرد مجاز. ولم يكن باستطاعته الكلام، لأنّه بلا فم، كذلك لم يكن لديه أنف، بل كان بلا يدين ولا قدمين، وكان بلا بطن ولا ظهر ولا سلسلة فقارية، بل لم تكن لديه أية أحشاء، حتى أنه من غير المفهوم عمن نتحدث.
إذن من الأفضل أن نمتنع عن الحديث عنه تمامًا).

*

بعد رؤية النّبتة بدقائق رأيت صورةً لرجل من الغوطة، يجلس واضعًا قدمًا فوق قدم، أمامه طاولة عليها كؤوس شاي وسجائر، يداه مرخيّتان كمن أنهى لتوّه عملًا، لكنّه بلا رأس، الرّجل كان بلا رأس، قتلته غارة جوية روسيّة أو سوريّة بأن فجّرت رأسه ثمّ تركت بقيّة جسده بذات الوضعيّة التي كان عليها، لم تنسكب كؤوس الشاي ولم تتحرّك الطاولة، الناس حوله وجوههم بيضاء من غبار القصف، ثابتون يراقبون بدهشة اللارأس.

“لم يعي بدنوّ أجله”، قلت هذا وعدت لقصّةٍ أخرى لخارمس:

(اندفعت كرة صغيرة من أنف رجل عجوز وسقطت على الأرض.
انحنى الرجل العجوز ليلتقط الكرة، لكن في تلك اللحظة انطلقت من عينه عصا صغيرة وسقطت على الأرض.
أصيب الرجل العجوز بالذعر، وبينما هو حائر فيما عساه فاعل، بدأ بتحريك شفتيه، وفي تلك البرهة سقط من فمه مربع صغير.
لحظتها وضع الرجل العجوز راحته على فمه، لكن فأرة صغيرة قفزت من كمه.
شعر العجوز بالوهن من شدة الرعب، فجلس القرفصاء كي لا يقع أرضًا، ولكن عندئذ تهشم شئ بداخل الرجل العجوز، فانزلق متكومًا على الأرض مثل معطف فرو مرن.
عندها ظهر غصن طويل من بين أضلع الرجل العجوز ، وعلى طرفه جلس طائر صغير.
أراد الرجل العجوز أن يصرخ، ولكن أحد فكيه حشر وراء الآخر، وبدلًا عن الصراخ، شهق بوهن مغمضًا إحدى عينيه، أما عينه الأخرى فقد ظلت مفتوحة، توقفت عن الحراك واللمعان، أصبحت جامدة ومعتمة مثل أعين الأموات .
هكذا نال الموت المخاتل من الرجل العجوز ، الذي لم يعي بدنو أجله).

*

القصف بعيد جدًا، لدي رأس ووقت للقراءة ومراقبة عشبة الشبّاك، الموت فقط صوته عال، والجوع.

*

الجوع.

*

اسمه دانييل يوفاتشيف، سمى نفسه خارمس، ولد عام /1905/، عاش الفقر والملاحقة الأمنية من قبل الستالينية بتهمة نشر روح الهزيمة لدى الشباب من خلال قصصه العبثية، كتب في ملاحظاته عام /1937/:
قصة قصيرة: كذبت على زوجتي مارينا بأني سأتسلم غدا 100 روبية، والحقيقة هي أنّني لن أتسلم أي فلس بعد الآن.

قصة قصيرة عن الجوع:
في الصباح تستيقظُ نشيطًا،
ثم ينتابك الضعف،
ثم تشعر بالملل؛
ثم تفقد سرعة الخاطر
ثم تهدأ،
وعندها يحل الرّعب.

سجن دون طعام ثمّ جنّ ونقل لمصحّة السجن ليموت جوعًا عام /1942/.

*
..
هامش:
كما العديد من المكتبات المنزليّة في سوريّة في الثمانينيّات وما تحويه عن أبرز كتّاب الأدب الرّوسيّ، قرأت عن دانييل وعن حركة أوبيريو في مكتبة بيتنا قبل سنوات كثيرة، واستعنت لتنشيط ذاكرتي بمقال لعبد القادر جنابي في إيلاف.

الصورة المرفقة بورتريه لدانييل من قبل Tatyana Druchinina.
..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.