مَركَبُ الشَّرّ

ولا أعلم، من يُحبّك الآن.

أريدُ أن أخبرك، عن أشياء صغيرة، كانت تجعلني حيًّا،
ولا أعلم، من بسببك، اليوم، هو حي.

تعبتُ من محاولات الاعتياد على رحيلك، لم أنجح في واحدة.

*
هنا، في نفس مكان جلوسي، كشاهِدٍ عليّ، وعلى نملةٍ تسرقُ خبزًا،
من هنا، مرّت آلاف الثيران المتصارعة، اقتتلَت آلاف الكائنات،
سقطت أمطارٌ وحِمَمٌ عملاقة، وماتت طيور،
الآن، ضوء أبيض وكرسيّ، سكونُ قبور وعيشُ شواهِد، وها أنا، أكتب لك:

*

هذا الكون للهَباء، بشموسهِ، ونجومهِ، وانفجاراتهِ وانهياراته،
كلّه،
للهَباء:
أن تُحِبّ وأن تُحَب، هذا كلّ ما في الأمر.

*
نتناقل الجروح كما الممتلكات الشخصيّة،
نُجرَحُ فنَجرَحُ فيَجرَحُ من جرحناهم آخرين سيجرحون آخرين؛
فقط لأنّه في البداية، في الرّحلة الأولى، كان هناك شرّير؛
في البدء كان هناك شرّير.

*

قبول الوجود أيضًا هو قبولٌ بالرّحيل؛
رحيلٌ بطيء بكلّ ما هو موجود.

*

نتناقل الخيبة: “أحِبّ كما لو أنّ لا أحد يومًا سبق أن جرحك”.

والخوف من الخيبة، نتناقل الخوف، والآثام.

*

نتناقل السرّ، نُحمّله لِمَن لم يعرف كيف فجأةً صار وسط عاصفة، دخلَ حديقةً مذهلةً ثمّ شدّته رياحٌ أسطوريّة.

*

أنا لا أستطيع أن أجرحك كما جرحك الشّرير،
هو هائل الإيلام، جرحه جذّاب وساحر، عميقٌ كانفجارِ ماء،
أنا ضعيف أمام ابتكارِ جرحٍ مماثل، أردت لو نمشي سويّة فقط وما مشينا،
لذا صنعت ثقوبًا صغيرة كسِرٍّ لي وحدي،
وغرِق الجّميع.

*

ليست بما يحدث أمام العين، الحياة، بل بمعنى ما يحدث خلفها.

هو السؤال ذاته، الأزليّ، عن المعنى.

*

امرأتان ورجل، رجلان وامرأة؛ كل هذه الحرب، لأجل صراعٍ بين شخصين،
حرب طاحنة بين شخصين، أحدهما لا يعرف الآخر، ولا يعرف بوجود الحرب، الضحايا فقط تعدّ الضحايا.

*

أنا خائن محترف، أسوأ العشّاق، أفضل القتلة.

*

أكثر إيلامًا من أيّ ما يومًا آلمك، أكثر إيلامًا من أيّ ما سيؤلمك، الحبّ،
لكنّك تقبل به كي تصير موجودًا، كي تَرى وتُرى، كي تكون.

*
الحروب الهائلة، الطواحين، في قلب أكبر أعاصيرها، في داخلها ما هو داخل اللبّ دائمًا، الصّلب اللامُدرَك، الخاص، ضدّ اللامعنى،
ضدّ جدوى سقوط الوجود، ضدّ المُشتَرَك.

*

عندما أفكّر بك أشعر أنّي عدت للمنزل، أنّ الوقتَ صيف، وأنّ النجومَ -بشمسِ مغيبٍ خفيفٍ- واضحة.

*

هامش:
لو أنّ “الحياة” النفسيّة تترك آثارًا جسمانيّة صريحة؛
أنت في حبّ، مثلًا، رأسك يصبح كرة كبيرة وهشّة، تعرضت سابقًا لخيانة هدّتك: في معدتك ثقب هائل، لديك ذكريات سيئة لم تتصالح معها: على وجهك التهاب لا ينزّ ولا يطيب، أحلامك كائنات تعيش فيك: أصابعك تصير كثيرة، الخ.
هكذا، لم تكن لتأكلنا الغَرابَة.
لكنّ الغَرابَة تأكلنا.
*
..

لوحات يامن يوسف/2018.
..