غيومٌ صلبة

أصدقاءٌ لي، يَزورُهم أصدقاء، رحّالةٌ وسُوّاح، طلّابٌ وعشّاق، من أَكَلهُ المَلل ومن جَاورهُ البحثُ عن معنى، تجّارٌ وعمّال، نحلٌ مسافر، ذُوّاق أطعمة وفلاسف، روّاد جنس وأجساد، لكلّ وجهته، طريقهُ وطريقته.

أنا أيضًا، منذ سنواتٍ يزورني أصدقاء، يعبرون قربي بالأحرى أثناء ارتحالهم، هائمون، هاربون، لاجؤون، منشقّون عن كلّ شيء، مصابون، مرضى، وجوهٌ بلا ملامح، بلا أوراق عبور أو أجور سفر، لا خطّة ولا طريق، لا وجهة، يريدون الذّهاب فقط، الرّحيل أبعد نقطة عن أيّ شيء يعرفونه، عن كلّ الكل.

نلتقي كي نَسكَر.

هكذا، سقانا الفولاذ.

*

كنتُ في الطّريق مع أصدقاء، وعلى رافعةِ بناءٍ قربنا رأينا رجلًا يُحاولُ الانتحار.

اصطفّت سيّارات الشّرطة والإسعاف، تجمهر النّاس، والرّجل مع كلّ حركةٍ يُوحي بأنّ التّالية هي الأخيرة.

جلسنا في مقهى شارع، وتبيّن أنّ المقهى لهُ إطلالةٌ واضحةٌ على وضوحِ المُنتحِر.

*

لماذا نُهدّد الآخرين الغرباء بأنّنا نحنُ سننتحر؟

ستحزنُ أمّه، أهله، أطفاله وأصدقاؤه، لكن، لماذا يشعر بالذّعر من لا يعرفه؟، أنّ كائنًا قربنا يفعلها ببساطة، الآن، لا هوادة ولا مقدّمات، ينتحر.

*

ثم تحدّثنا عن الجوع وعن الطّعام، والتَفتنا للمنتحِر، وهاتف صديق أمّه يطمئنها عن صحّته، وأمامه مُنتحِر، وقَبَّلَ شابٌّ عشيقهُ، وخلفهما مُنتحِر، وأَسقَطَت سيّدةٌ القَهوة على بنطالها، مرّت طائرة، أطلق سائقٌ بوقًا، وَصلَت فاتورة، بائع ورد، صوتُ موسيقى، والمنتحرُ في خلفيّة كلّ شيء.

*

ماذا تعرفُ الطّيور عن الانتحار؟ كيف تنتحر؟ هل يُعتبر الانتحارُ ضريبةً للوعي بالوجود؟ زوائد اكتشاف الكائن لذاته؟ ماذا يعني أنّ الحيتان تعي بذواتها؟، تُسمّي أطفالها وتعيشُ بعائلات، والفِيَلة؟ كيف لفيلٍ أن ينتحر؟ يقفز عاليًا؟ يسدّ خرطومه بالتّراب متناسيًا ثخن أصابعه؟ يَحزنُ بشدّة؟ يروي نكتةً رديئةً لفيلٍ أضخم منه؟

كيف لأفعى أن تنتحر؟ ماذا ستفعل البومة؟ كيف يقتلُ الحصان ذاتهُ؟ والنّمل؟ هل انتحرَت الديناصورات وظنناها بفعلِ الطبيعة راحت؟

هناك جماعات بشريّة دينيّة تعمل على الانتحار الجماعي، كيف يكون الانتحار جماعيًّا؟ أليسَ فِعلًا شخصيًّا حميمًا عاطفيًّا؟ علاقةٌ بين الذّات والجّسد كما الاستمناء بالذّكريات؟

*

لماذا تمنعنا أجسادنا عن الغرق؟ وعن حبسِ النّفس؟

*

أنا مثل كلّ الخونة المُحترفين، أكتبُ عن الانتحار ولا أنتحر، أفكّر بهِ وأخافُ الاختناق بقضمة تفّاحة، أشربُ الماء ببطء وأفهمُ طُرق النّوم الصحيّ، أَعبرُ الطّريق بعدَ النّظر في كلّ الاتجاهات وفحصِ وجوهِ السّائقين وتحليلِ حالاتهم النّفسية.

ربما ما اقتربتُ يومًا من سعادة المُنتحِر إلا بمزج الماء بالماء طمعًا بحليب الأطفال الكبار.

*

لكنّني اكتشفتُ أنّي وبطريقةٍ لا أخلاقيّةٍ رائعة أحبّ مراقبة المُنتحرين.

لم ينتحر الرّجل، ما اكترثَ أحدٌ لتهديداتهِ بأنّه إن لم يقبض رواتبهُ سيرمي بجسده، ملّ وهبط، تمّ اعتقاله. ربّما كتبوا في المحضر: يفعل أمورًا شخصيّة في مكانٍ عام، ينتحرُ بوقاحة، ثمّ زَجّوه في زنزانةٍ تحوي كلّ من كان يَسكرُ أو يصرخ في الشّوارع، ولا شكّ هو وقّع تعهدًا؛ أنّه لن ينتحر بعد الآن أمامَ جمهور، من يودّ قتل نفسه فليفعل هذا بعيدًا وحده، كما لم تعد موضةُ الرّسائل دارجة، الغموضُ الآن أحلى، تخيّلُ أسبابٍ عميقة وجدوى ومعنى.

هناك قصّة شهيرة عمّن انتحرَ وكتبَ رسالة شارحًا: “بسبب آلام الأسنان”.

وقال جان جاك روسو، وأوضح هايدغر، وأشار سيوران حيثُ اختلف مع دويستوفسكي، الخ.

*

تابَعَت الجّموع التسوّق، وأشارَ الصّحفي -الذي كان يصوّرُ وينقلُ “الحَدَث” بشكلٍ مباشر- لصديقهِ أن يَنظُرَ مُؤخّرة امرأةٍ عابرة، كانت جميلةً فعلًا، مُكوّرة مشحمة بتنّورةٍ شديدة القصر شبه شفّافة، رقصُ تانغو ممزوجًا مع طبولٍ أفريقية ما كانت تقوم به وليس مشيًا. وما حفِظَ أحدٌ منّا وجهَ المُنتحِر، كانَ بعيدًا وعاليًا.

*

“جَسدُك سيّارة، أنت سائقها”، محكيّة كلاسيكيّة قرأتُ أنها ربّما هنديّة.

في وحشتك، عندما يُغادرك صديقك الوحيد، تُغادِر عائلتك، تبقى أنت وحيدًا.
عندما يغادِرك حبيبك، ترحلُ أنت، تذوب، تختفي، تبقى السيارة فقط.

*

كيفَ تقتلُ آخرًا لو قتلتَ ذاتك؟

بالحبّ؟، أن يُحبّك أحدهم حتى يموت لو أنت متّ؟

أو ربّما لن تموت إن ماتَ حبيبك، ستصير معجزةً: معجزةُ أنّك حيّ ولا تشعر بأيّ شيء.

*

معجزة انّهم أحياء ولا يشعرون بأيّ شيء.

*
..

/لوحة الغلاف: عمرو الصّفدي/.