RC deWinter

عناكب الخوف

/1/

الأيّام العاديّة، وضعتني هنا،

الأيّام الّتي تحدث فيها أشياء عاديّة، تحصل عادةً، أوصلتني هنا،

الشّروق المستمرّ، المغيب، السّبوت، الآحاد،

الطّفل الّذي دائمًا تسقط ركبته فوق الحصى،

الهواجس الاعتياديّة، خوف الصّباح، النّار صيفًا وشتاءً قرب خِيَمِ العزاء،

مَنْ يموتون ومَنْ يولدون والماء وبقيّة الأحداث العاديّة المكرّرة،

الشّيب وإعلانات صبغات الشّعر، الحروب، أقْبر الجند بلا تراب،

الأنهر، الطّيور الحائمة، والجوع، الأزيز والدّبيب، الذّلّ،

البدويّات بلا شفاهٍ يلثمن أغنياتٍ ساخرةً عن المراهق العابر الأنيق،

المشاعر الصّغيرة، الخجل، الأصابع الصّمت، الريّح الخفيفة، المحطّة المزدحمة،

القصائد الّتي يحفظها الجميع عن النّواهل والنّبال والنّصال ورؤوس الرّماح،

الجبناء والحكماء والشّجاعة والملل والمواهب والقتل والبحر والبلاد ونوح والبيوت والبعير والحرّ

والهجير والنّحر والعقل والحبّ والنّسب والمعنى والخمر والنّجوم والتّباعد والأصدقاء والقلوب

والبكاء والنّسيان والأشجار والسّاعات وكلّ ما يحدث،

كلّ تلك الأشياء العاديّة التي تحدث دائمًا أوجدتني هنا الآن، وضعتني في هذه اللّحظة تمامًا، وحدي،

لا أعرف التّوقيت أو التّأريخ، أكتب هذا أثناء هبوب الثّلج، دون أن أتذكّر تمامًا ماذا كنت أنتظر.

ربّما كنت أنتظر شيئًا عاديًّا ولهذا نسيته، ربّما بالغت في شيءٍ ما أو أقللت،

أو ربّما هذا ما كنت أنتظره، أن تثلج قليلًا خارجًا، ثمّ أن يتوقّف الثلج.

لكنّني، لا أعرف ماذا سأفعل، بعد أن يتوقّف الثّلج،

ولا أدري، مَنْ أورثني كلّ هذا الخوف، مِنَ الأشياء العاديّة، الّتي تحدث عادةً.
*

/2/

ننتظر رحيق الشّمس، لا شيء آخر لنفعله، ننتظر رحيق الشّمس، ثمّ عندما ستأتي، لا نعرف ماذا سنفعل، لكن لا شيء آخر لنفعله.
*

للشّبق رائحةٌ متوحّشة، تقول الأغنية.
*

/3/

رأيت سنجابًا، نعم نعم، رأيت سنجابًا رماديًّا يحمل شيئًا ما ويركض، قلت لابدّ هو يحمل بلّوطةً أو بندقةً كما في أفلام الكرتون.

التفتّ صوب الجهة الأخرى وتابعت التّدخين.

ثمّ عاد وكرّر هذا مرّاتٍ عدّةً جيئةً وذهابًا، الكثير من البندق أو البلّوط بات لديه، قلت هذا طبيعيّ، هو كغيره من الكائنات، مدفوعٌ برغبةٍ غريزيّةٍ للخوف من القادم، من الشّتاء ربّما، ومن الجوع فيه، من الكائنات الأخرى.

مرّت دقائق،
ثمّ قلتُ:
هو إذن: يفكّر بالمستقبل.

ثمّ خفتُ.

/4/

إدراكك لوجودك هو وجودك، يدك الّتي لا تشعر بها تموت، أشخاصك الّذين لا تشعر بهم، بالنّسبة لك، موتى.

الألم الّذي تنساه ولا ترويه لأحد، لم يحدث،

الأحلام الّتي تنساها، لم تأت.

السّتائر الّتي تحرّكت أثناء غيابك عن البيت، لم تتحرّك.

القطّة التي نطقت دون أن تسمعها، لم تنطق.

/5/

هي لا تحبّك فقط، أنت أيضًا عدوّها المفضّل.

*

هذا لأنّ، الخوف، أقدم الكائنات، العجوز الأكبر الّذي ما زال حيًّا، وسيبقى،
هذا عن الخوف.

*

هذا لأنّك، كلّما حاولت قتل جزءٍ منه سيقتل جزءًا منك،

هذا لأنّك ستظنّ دائمًا أنّك تستطيع قتله،

هذا لأنّه يستطيع هو قتلك، روّضه، لا تسجنه حتّى، فقط روّضه.

*

خوفٌ من الوحدة وخوفٌ من الموت وخوفٌ من القهر ومن الشّيخوخة ومن الفقر ومن المال ومن الحرب ومن الوجوه ومن الآخرين ومن الضّوء ومن العتم ومن السّماء ومن الإبحار ومن النّطق ومن الصّمت ومن الصّحو ومن النّوم ومن ومن، من أيّ موصوفٍ يليق به نعت ‘الخوف’، من كلٍّ موصوف، ‘خوفٌ’ يليق بكلّ شيء.

*

خوفٌ يحكم الوجود، الوعي، النّاس، الشّعوب، الدّول، الإمبراطوريّات،

خوفٌ لا ينقص ولا يزيد عنّا، نكون ليكون.

*

الخوف من عيشٍ تحوّل عقلًا ميكانيكيًّا واحدًا، جسدًا واحدًا يتّفق على مهارة اللّصوص في النّجاة، يحبّ الشّعر ويستعمله كلّ يومٍ صباحًا كما فرشاة الأسنان، لكنّه لا يصدّقه.

*

الخائفون من المرايا هم أوّل من يتلقّى الطّعنة وآخر من ينتبه.

*

ستلتقي بشخصٍ ما، ستقول إنّك تحبّه، ستحكي الكثير عن نظريّاتك العاطفيّة، ثمّ وبطريقةٍ ما سيكون هذا الحبيب هو الآخر الّذي به ستنتقم من كلّ شيء، ستقتل كلّ مخاوفك من خلال قتله، غضبك من كلّ شيء وعلى كلّ شيء لابدّ له أن يعرفه وأن يحفظه جيّدًا في داخله، أنت تريده نعم، لكنّ كما تريد الحبّ، حيوانًا أليفًا في مزرعة القوّة، تتباهى به أمام الأصدقاء، تطعمه، تتوازن به أنّك بخير وبلياقة نفسيّة عالية، لكنّك حتمًا ستبتعد عن المرايا، كما عن أيّ نقاشٍ أو كلامٍ حتّى عن الطّقس، ما يهمّك هو القوّة، لأنك ستعتقد أنّك بها ستنتصر على وحوشك الصّغيرة، مخاوفك.

*

الخائفون معاركهم صغيرة، تنتهي بسرعة، وهم الوحيدون الّذين يعلمون بها.

*

هي لا تحبّك فقط، أنت أيضًا عدوّها المفضّل.

*

الخوف، أيّ خوف، هو كما زرعة الصّبّار، مهما تركتها أو نسيتها، لا تموت، تكبر، تصير شجرةً تحيط بك، لا تؤذيك إن لم تتحرّك ولا تحجب الهواء، لكن رغم هذا، وبالتّخيّل، ستعيش وخزها، كما ستعيش الاختناق.

*

التّخيّل حقيقة مخيفة أكثر من الحقيقة المخيفة ذاتها أحيانًا.

*

الخائفون هم الجميع، الخوف وحشٌ غرائزيٌّ أساسيٌّ لبقائك، هو حيٌّ طالما أنت حيّ، نختلف فقط في أسلوب التّعامل معه وفي طريقة ترويضه، هناك من يحبسه في قفص، حتّى إذا خرج استدمى، هناك من يفلته كلّ يوم في الهواء الطّلق، هناك من يركبه أو ينحني له ليركب، كما هناك من يصيره، ويضع ذاته الأولى في ذاك القفص.

*

الخائفون أحياء، الموتى لا شيء لديهم ليخافوا منه.

*

المغامرون هم مَنْ يعرفون كيف يتحرّكون، وبأيديهم أو بأسنانهم يقطفون ثمرة الصّبّار ويقشّرونها، السّكّر الّذي في الثّمرة اسمه ‘أدرينالين‘.

*

الأدرينالين الزّائد يقتل، النّشوة الكاملة تقتل، الاستيقاظ المستمرّ يقتل، النّوم المستمرّ يقتل، الحبّ الخالص يقتل، أيّ كاملٍ قَتّال، إلهٌ متوحّشٌ ساخرٌ هائل القدرة على قتلك بشوكة صبّارٍ صغيرةٍ في الحنجرة.

*

الموتى ساخرون أبديّون.

*

الموت نفسه هو نوع من السّخرية الأبديّة من كلّ شيءٍ وعلى أيّ شيء.

*

هم لا يخافون الموت ذاته بقدر ما يخافون طريقة الموت.

*

القتل بلا سبب نكتة لم تتوقّعها الطّبيعة.

*

عجيبٌ كيف يكون الانتحار دائمًا عقابًا ذاتيًّا، وكيف يختار المنتحر طريقةً مؤلمةً لفعل ذلك.

*

الانتحار موقفٌ لم تتوقّع الطّبيعة سهولة خسارتها أمامه.

*

الخوف إله، صَدِّقْ وجوده تراه، رَوِّضْهُ يختفي، أو ربّما يصير بطّةً بلاستيكيّةً في حوض الاستحمام.

*

مهما اتّسع الشّوك وازداد حجمه، الهدوء هو ما يدلّك على الطّريق،

السّكينة هي خيمتك الّتي يحوي سقفها نجومًا.

*

الخيمة هي ذاتك، كلّ ما عدا ذلك، أجسادٌ تخاف الشّوك.

*

/6/

لا وجود للوقت،

هي الثّانية نفسها تتكرّر منذ الأبد.
*
..
https://www.arab48.com/%D9%81%D8%B3%D8%AD%D8%A9/%D9%88%D8%B1%D9%82/%D8%A3%D8%AF%D8%A8/2016/11/01/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D9%83%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.