بوالين

نَهرُبُ كلّ فترة كي نُصبِحَ أشخاصًا آخرين، نُصبِحُ أشخاصًا آخرين ثمّ نهرب كلّ فترة كي نُصبِحَ أشخاصًا آخرين.

ظَنُّ ساعة الرّمل في انقلابها، وما يُخمنّه الماء بالنّهر،

والزّمانُ الحبيسُ في الجّسدِ الحبيسِ، ووجود اسمٍ مستقرٍّ لوجودٍ لا مستقرّ.

*

أحتاجُ حياةً جديدة،
أحتاجُ حزنًا عاديًّا، خوفًا عاديًّا، حياةً عاديّة،

أريدُ أن أُدمِنَ زيارة خاناتِ الجنس، أن أصيرَ زبونًا مُعتادًا تعاملهُ العاهرات كحبيبٍ وتمصصن قضيبهُ مرّات بالمجّان ومرّات بسعرٍ مُخفّض،

أريد أن أُدمِن العيشَ في الخَمّارات، أن يُقدّم لي النّادل كأسيَ قبل أن أطلبه،
أن ينتشلني أحدهم ثملًا كلّ يوم من فوقِ رصيفٍ ما، ثمّ أن يُفتشّ جيوبي لصٌّ وينهب كلّ ما أملك،

أريد أن أمتلكَ جوعًا للمخدّرات الرّخيصة، ثمّ مع مجموعةٍ من المُدمنين أن ينصحنا طبيبُ بلديّةٍ مستجدّ لا يعرفُ أسماءنا بزيارةِ مصحٍّ رائعٍ لعلاج الإدمان يُطلّ على غابةٍ فيها ثعالب خجولة،

أريدُ أن توقفني الشّرطة لأني لا أكترثُ بقوانين السّيرِ مثلًا أو بسببِ احتجاجٍ تواجدتُ به صدفةً ضدّ مديرٍ مختلسٍ لأرباحِ مصنعٍ ما، ثمّ أن أمتلكَ جرحًا غائرًا في وجهي بعد عراكٍ في الزّنزانة لأجل سيگارة، وأن أخرج بوشمٍ على يدي وورقةٍ تحوي أرقامَ أمّهاتِ قَتَلة كي أطمئنهنّ أنّ أبناءهنّ بخير: يأكلون جيّدًا ويَخرون بسهولة،

*

أحتاجُ حزنًا عاديًّا، خوفًا عاديًّا، حياةً عاديّة،

أحتاجُ حياةً جديدة كي أصرخَ منها مرّة أخرى: أحتاجُ حياةً جديدة،

أحتاجُ لو فعلًا يُذهِب البكاء الذّكريات، لو يصير البكاء كائنًا، صديقًا عاطفيًّا رقيقًا،

أريد استبدال كلّ ذكرياتي بمشاكل حساسية جلديّة وأكياس شَعر،

أحتاج غضبًا واحدًا عملاقًا تلحقهُ سكتة قلبيّة أو قدرةٌ على القتل، أو حتّى تحوّل للجنون بتكرارِ شتيمةٍ واحدة ونسيان كلّ شيء سواها،

أريد أن أعيش كدودةِ حديقة تقضي ساعات حياتها كلّها في تَسلّق نافذةٍ واحدة ثم فجأةً يقتلها الماءُ المالحُ من غسيلِ الجارة،

*

ما وجودُ الوقت إلّا لخسارته؟،
أريد أن أحيا بلا وعيٍ منّي أنّني أحيا، دون أن أعرف أنّي أحيا لأموت، دون أن أعتقد أنّي لا أفعل سوى خسارة الوقت،

*

أحتاج صديقًا حميمًا يطعنني مرّات كثيرة كي أقضي بقيّة أيّامي أفكّر به وحده،

أحتاج فكرةً عبقريّةً واحدة تشغلني كي أبرّر بها انعدامَ الشّهوةِ والرّغبة الشّديدة بالاختفاء، كي أبرّر بها كلّ شيء،

أحتاج إلهًا مجرمًا يبتلعني بقضمةٍ واحدة كتفاحةٍ سكريّةٍ صغيرة ثمّ أن يُصفّق لرحمتهِ مؤمنون فقراء،

*

أحتاج حياةً عاديّة بمشاكل عاديّة ومخاوف عاديّة،

أحتاج لو أعود طفلًا لا يفكّر سوى بالطيران، ثمّ عندَ أوّل حبٍّ يَنسى،

أريدُ أن أكون فكرةً منسيّةً عن الطيران، أغنيةً عن الأجنحةِ تكتُبها زواحفٌ طريّةٌ لديها مشاكل هويّة،

أحتاج حزنًا عاديًّا يُسكِتُه شرابٌ ولهوٌ مع غريب، خوفًا عاديًّا من المرتفعات أو من موظّفي الحراسة في المراكز التجارية،

*

أحتاجُ حياةً عاديّةً كلّ ما أخافهُ فيها هو خوفُ أمّي، وكلّ ما تخافهُ أُمّي فيها أن يكونَ فاتورة الغاز وصراخ إخوتي، ثمّ أن أرسلَ لها مالًا مسروقًا من جيبةِ سكيّرٍ يُشبهني وأن ينتهي الأمر.

*
..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.